recent
أخبار ساخنة

بنو إسرائيل في ظل الحكم الإسلامي

أستاَََد أفغول عبد القادلر
الصفحة الرئيسية


بنو إسرائيل في ظل الحكم الإسلامي

بنو إسرائيل و الإسلام


كيف عاش بنو إسرائيل في ظل الحكم الإسلامي


لقد استقرّت بعض الجماعات اليهودية في شبه الجزيرة العربية منذ القدم، وفي القرن الخامس تمركز اليهود بشكل خاص في منطقتين جنوب اليمن، في حمير، و في شمال الجزيرة، في الحجاز. وعاش بعض اليهود مع العرب في شكل قبائل رحّالة يمارسون نفس النشاطات، كالرعي و التجارة و بعض الحرف. 


و لم تحدث أية مواجهات بين قبائل اليهود، و جند الرسول صلى الله عليه و سلم، إلا حين نقض البعض من قبائلهم العهد مع نبي الله محمد ، و سار على نفس النهج أمير المؤمنين رضي الله عنه، فأجلى كل من ليس له عهد عند رسول الله، من قبائل بني إسرائيل القاطنة في مناطق الحجاز خاصة المدينة المنورة: أهمها قبيلة بنو قينقاع و قبيلة بنو النضير و قبيلة بنو قريظة و غيرها.


 هذا هو الحدث الوحيد الذي طرأ في العلاقات السياسية بين المسلمين و اليهود في صدر الإسلام. في الحقيقة أن هذا الدين رغم هذه الأحداث القليلة جدا بين المسلمين و اليهود، استطاع بعد إنتشاره المذهل عبر قارات المعمورة ما بين عامي622 ـ 732ميلادية، من إحداث تغيير جذري، و ثورة هائلة في المجتمعات البشرية بما فيها اليهود، في مدّة وجيزة، قدرت بحوالي مائة سنة فقط، فتح المسلمون خلالها بلدان عديدة من العالم ضمن مساحات امتدت، من "إيران إلى إسبانيا والمغرب ومن شمال سوريا إلى جنوب شبه الجزيرة العربية"، و ظل الإسلام يعامل مختلف الأجناس و القوميات و الأقليات العرقية، بالطرق الإنسانية التي أقرتها النصوص الشرعية في إطار المرجعية الدينية .




اليهود في عهد الخليفة عمر بن الخطاب


 استمر ذلك إلى غاية العصور الحديثة. و من هذه الأقليات، كما قلنا اليهود على وجه الخصوص. حافظ الإسلام أثناء ذلك على ودية و إنسانية العلاقات الاجتماعية بين المسلمين و اليهود في كافة المناطق المفتوحة. وأوّل من منح الأقليّات رعاية خاصة، و اهتمام متزايد، هو الفاتح الكبير "عمر بن الخطّاب وضي الله عنه"، الخليفة الثالث بعد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي سطر المبادئ الأساسية لحماية هذه الفئات و الذود عن ممتلكاتهم في إطار ما يسمّى بعهد عمر بن الخطاب.


 وبفضل هذا العهد، تمكّن أهل الذمّة من اليهود الاسترزاق، و التمتع بحرية ممارسة دينهم مقابل دفع ضريبة إلى بيت مال المسلمين. اصطلح على تسمية هذه الضريبة "بالجزية". لقد أوضح التاريخ الإسلامي و غيره، بأن اليهود استفادوا كثيرا من ولائهم لأنظمة الخلافة المتعاقبة على حكم الأمة الإسلامية، التي تعهدت بمعاملتهم المعاملة الإنسانية اللائقة و العادية. إن أجواء الحرية و قيم التسامح المتوفرة في فضاء الإسلام، حثت قادة اليهود الممثلين للطائفة اليهودية متواجدة على أراضي المجتمع الاسلامي، من ضبط و تنظيم هذه الجماعات لتواكب و تتماشى مع ما يحدث في سائر مناطق الخلافة، كي لا تبقى كما عاطلا، و مهمشا دون تأثير أو تأثر. و صار لليهود ممثلين رسميين لدى السلطة الإسلامية الحاكمة على مستويات مختلفة.



و من الأمثلة و المواقف التاريخية الشاهدة على حسن معاملة الخلفاء المسلمين لأهل الذمة، هو أن" عمر بن الخطاب" حين زار "القدس أو أورشليم في فلسطين"، و استلم مفاتيحها، من البطريق "صفرونيوس 636ميلادية". اشترط هذا الراهب على أمير المؤمنين في المعاهدة، ألا يدع اليهود من الإقامة في بيت القدس، إلا أن المسلمين مكنوا اليهود من العيش بحرية، و أمان في ظل التسامح الديني الذي أكدت عليه المرجعية الإسلامية بنص شرعي أكيد، سواء كان ظرف الأمة في السلم، أو في الحرب. 


وكانت المعاهدات التي كانت تبرمها الدولة الإسلامية الفسيحة مع غيرها من الأمم و الدول فيما بعد، يشمل تمثيلها المسلمين و أهل الذمة سواء بسواء، دون إقصاء. قال أبو يوسف في كتاب الخَراج:(لما صالح عبد الله بن أبي السرح ملك النوبة، تقرر في الصلح، أنه أمان وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين بمَن جاورهم من أهل صَعيد مصر، وغيرهم من أهل المسلمين، وأهل الذِمّة، وأخذ النوبيون على أنفسهم العهد بحماية من نزل ببلدهم،أو طرقه من مسلم أو مُعاهِد.)2


من المواقف الجليلة في ميدان التسامح، موقف السيد الكريم شيخ الإسلام" ابن تيمية"، عندما وقع الكثير من أفراد الأمة الإسلامية، مسلمين و يهود و مسيحيين في قبضة التتار، و حان الوقت لإطلاق سراحهم. فقال شيخ الإسلام ابن تيمية : لا نَرضىَ إلا بإفتكاك جَميع الأسرى من اليهود والنصارى فهُم أهل ذمَّتنا، ولا نَدع أسيرا من أهل الذمّة، ولا من أهل المِلَّه.3.



إن الله مكن المسلمين من فتح الكثير من البلاد الأجنبية، كفلسطين ، العراق و الشام و مصر و بلاد المغرب و الأندلس، زمن عمر، و عثمان رضي الله عنهما، و خلفاء الأمة اللاحقين فيما بعد، رحب أهل الذمة خاصة اليهود بهذا الفتح، لتخلصهم من الاضطهاد الفارسي و الروماني و البيزنطي، و تمتعهم بالحرية المعتقد، و المسامحة الدينية، و المساواة مع كافة المسلمين، في بعض الحقوق، و في أداء الواجب، تحت كنف الحكم الإسلامي. من المواقف النبيلة في هذا السياق، ما قام به بعد الرسول الأسوة، عمر بن الخطاب المثل الأعلى. 


مرَّ عمر بن الخطاب بِباب بيت قَوم، وعليه شيخ ضرير يسأل الحاجة. فسأله أمير المؤمنين من أي أهل كتاب أنت. فرد اليهودي عليه: إني يهودي. قال عمر: ما ألجأك إلى ما أرى. قال اليهودي: أسأل الجزية و الحال و السن. أخذ عمر الضرير، و أمر خازن بيت المال. و قال له: أنظر هذا و ضر باءه، فو الله ما أنصفناه، إنا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.4.


وفي الأثر، أن يهوديا خاصم علي بن أبي طالب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فنادى أمير المؤمنين عليا بقوله قف يا أبا الحسن. فبدا الغضب على علي. قال له عمر: أكرهت أن نسوي بينك و بين خصمك في مجلس القضاء. فقال علي. لا و لكن كرهت منك أن عظمتني في الخطاب، فناديتني بكنيتي،و لم تصنع مع خصمي اليهودي ما صنعته معي.






الاسلام دين التسامح بين الأديان



إن أمر المسامحة الدينية كان يسري مفعوله على جميع أقطار الأمة، ففي فلسطين بعد فتحها، عرفت دينا جديدا هو الإسلام، دين الفترة و التسامح بين الأديان. لم يكره الفاتحون أحدا على تغيير معتقده، أو التخلي عنه، أو اعتناق عقيدة الإسلام بدله. لقد تم تحول لمجتمع الفلسطيني في ظل الخلافة الإسلامية الجديدة، بطريقة تدريجية سلسة، و كانت سريعة التقبل و بصفة تلقائية، حيث انتشرت اللغة العربية الفصيحة، و بدأ الإسلام يكتسح أفئدة و عقول أغلبية السكان فيها. 



 لم تختلف أحوال المعيشة و لا طبيعة المعاملة، و لا حرية المعتقد عند سكان المناطق المفتوحة الأخرى كما قلنا، لا في الشرق الأدنى، ولا في شمال أفريقيا و الأندلس، أو غيرها. تمتع اليهود بكامل حقوقهم كالمسلمين تماما، و أهمها على الإطلاق، ضمان الإمبراطورية الإسلامية الواسعة، حماية نفوسهم من القهر و الاعتداء، أو الحط من كرمتهم، أو العدوان و إلحاق الضرر بممتلكاتهم، أو تسخيرهم في أعمال شاقة بأجور بخسة زهيدة ، أو مصادرة عقاراتهم و الاستحواذ عليها بلا سند شرعي، أو نهب أموالهم و ابتزازها بالقوة بلا وجه حق. 


ومن جهة أخرى قامت الإمبراطورية بتحفيزهم على العمل والرغبة في إتقان دورهم التنموي في المجال التجاري و الحرفي و المالي، الداعم للاقتصاد الإسلامي، و هذا مقابل دفع الجزية المالية، أو الخراج المنصوص عليها في الكتاب الكريم ، قصد تقوية إرادات بيت المال المسلمين. 


لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر الوضع على هذه الطبيعة في فترة" بني أمية"، و أثناء قيام الدولة "العباسية". ففي العراق مثلا خاصة، في بغداد، عاصمة العباسيين 762 ميلادية. حقق اليهود من التجارة و الصناعة، مداخيل مالية كبيرة، جعلتهم يتمتعون بالثراء و العيش الفاخر دون مضايقة من أحد. و تمكن الكثير منهم من ممارسة الطب و الصيدلة والتزود بالمعارف العلمية و الثقافية المختلفة، و الوصول إلى الوظائف العامة في الدولة.



معاملة الإسلام لبني إسرائيل 


  • جيورجيس بن بحتيشور اليهودي: طبيب الخليفة المنصور الخاص. كان طبيبا وفيلسوفاً كبيراً، و كانت منزلته عند الخليفة تضاهي وزراء الدولة. و صار الخليفة المنصور يثني عليه مرارا، جراء خصاله و علمه، و يلبي له كل رغائبه و احتياجاته. و حين كبر و عجز عن تأدية الخدمة ، التمس من الخليفة العباسي أن يلبي له طلب العودة إلى بلاده، ليدفن فيه مع أبيه و أجداده، فأمر هذا الخليفة الذي اعترف له بالجميل، وقدر علمه و تفانيه في الطب، بتجهيزه أثاء السفر و منحه المال الكافي لذلك. 


  • حنين بن إسحاق: فيلسوف يهودي، أشتهر بالفصاحة و البراعة في الترجمة العربية، خاصة كتب الفلاسفة اليونانيين أمثال "أرسطو سقراط و أفلاطون" . و كان ذلك أيام "المتوكل و المأمون"



لقد تعلم بنو إسرائيل اللسان العربي بكل سهولة،و صار يتداول فيما بينهم، على أساس إنه لسان التعامل الاقتصادي و التجاري و المصرفي و الإداري و الوظيفي و مختلف العلوم و التأليف. تقلد بنو إسرائيل الكثير من المناصب العليا في الخلافة العباسية، و كان منهم القضاة والأطباء والصيارفة. كما كانت لهم كثير من الحرف و النشاطات الاقتصادية كما ذكرنا. 

 كانت لليهود في الفترة ما بين القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر الميلادي، دورا حيويا في التبادل التجاري عن طريق عمليتي التصدير و الإسيتراد، و ذلك باستخدامهم الأساطيل العربية التجارية الضخمة، التي وفرت لهم كل إمكانات النقل و الملاحة البحرية، لتصدير منتجاتهم من الحرير و التوابل و العطور و المجوهرات و الذهب، إلى مناطق شتى في أوروبا و آسيا. 




في نفس السياق، ظل التسامح الديني بين المسلمين و اليهود قائما، و في أجواء حرية ممارسة النشاطات الاقتصادية، استطاع اليهود من امتلاك المصارف و البنوك المالية باسمهم. كان لهم في نفس الفترة مجمعات سكنية يهودية كثيرة جدا، خاصة بهم،لها عاداتها و أعرافها و تقاليدها، اصطلح على تسميتها في وقتنا المعاصر،"بالحارات" اليهودية عند العرب، أو "بالجيتوهات اليهودية Ghetto" عند الأوروبيين. 


فظل اليهود هذا النمط الاجتماعي لصعوبة اندماجهم مع غيرهم. كما كان لهم مدارس تعليمية، و مراكز ثقافية و دور للعبادة، يمارسون فيها عملهم الفكري و الديني و ألتأليفي بكل حرية في كنف المجتمع العربي الإسلامي. بعد فتح إسبانيا من قبل المسلمين سنة 711ميلادية، اشتهر اليهود، إلى جانب التجارة و المال، بالعلم و الفلسفة والطب و التمريض، على غرار ما كان يجري في مدينة القيروان و بغداد و الفسطاط و القاهرة . 



بنو اسرائيل زمن الخلفاء الراشدين


سجل لنا التاريخ مثلا في عهد الخلفاء الراشدين، منحت الدولة الإسلامية لأهل الذمة أعمالا و مشاريع ضخمة لتمكينهم من الحصول على مناصب عملية منتجة، و إدارة أنشطة حرفية و تجارية، يساهمون بها في ترقية المجتمع الإسلامي الناشئ، و تنمية مداخلهم المالية، و النهوض بمستواهم الفكري و الثقافي، تجنبا للبطالة و الفاقة و العوز و الأمية و الجهل. 


و في عهد الأمويين كان الخليفة الأموي "عبد الرحمن الثالث" يقربهم إليه و يستثمر جهودهم الفكرية و العلمية و العملية في توسيع سرح الحضارة الأندلسية. كان يحترم مواهبهم، و يقدر نشاطاتهم إلى درجة أنه إختار من يعالجه من أطبائهم، فكان طبيبه الخاص "حسدايا بن شابروت"، الذي أحضر إلى المدينة علماء دين وفلاسفة وشعراء وعلماء يهود، وجعل منها مركز الثقافة اليهودية في العالم.


 و في عهد الدولة العباسية وضع "هارون الرشيد" كل المدارس تحت إشراف و إدارة "حنا مسنيه الذمي". وكانت مؤسسة إدارة شؤون المسلمين، مفوضة بالتناوب، تارة إلى المسيحيين، وتارة، إلى اليهود. ولم يكن الإسلام ينظر إلى الفوارق في الأعراق و الجنسيات و لا إلى الأقوام و الممل و الأديان. 


ويقول مستر درابر إن الخليفة العباسي الأكبر "المأمون"، قال ذات يوم: إن العرب قد زحفوا بجيش من أطبائهم اليهود، ومؤدِّبي أولادهم من النصارى أي معلمين، ففتحوا من مملكة العِلم والفلسفة ما أتوا به على حدود مملكة الرومانيين.5




في نفس موضوع التسامح الإسلامي، ترجمت التوراة و تلمود إلى اللغة العربية. أما في المغرب و في الأندلس بالذات، استطاع بنو إسرائيل من الوصول إلى المناصب الحساسة في تسيير المؤسسات الإدارية الحكومية، و المال العام. كان منهم الوزير و المستشار و المصرفي.


 تعلمت أجيال ذلك العصر، اللغة العربية و شيدوا المجامع لتدريس علومها، في "قرطبة و غرناطة و طليطلة. في مصر". عمت اللغة العربية أهل الذمة، فأسسوا لها الدواوين الكثيرة. عاش اليهود مع المسلمين حياة إنسانية كريمة شريفة من الناحية الفكرية و المادية، فلقد اعتمد أهل الفكر منهم اللغة العربية الفصيحة كلغة أساسية في تدوين كتبهم العلمية و الفلسفية و الأدبية و الفنية. 


إنهم صاروا سندا قويا في خدمة الفكر العلمي و الفلسفي، إنهم نقلوا أمهات الكتب و البحوث العلمية و الثقافية من أوروبا أثناء العصور الوسطى و قبلها إلى دوائر الثقافة الإسلامية. كانت مواظبتهم و مساهمتهم في ترجمة الكتب اليونانية ألى العربية إنفتاحا واسعا على حضارات الغير. إن المسلمين لا ينكرون هذه الأعمال في مجال الفكر و المعرفة أبدا. 


 فهم يقدرون الأعمال العظيمة التي سخرها "سعيد بن يوسف الفيومي، المعروف بسعديا الفيومي و موسى بن ميمون القرطبي Maimonide أعظم فيلسوف و طبيب1135 ـ 1204ميلادية"، غيرهم لفائدة التراث الفكري الإسلامي، إلى جانب الجهود الجبارة التي قام بها المسلمون في نفس الإختصاص ، العلم و المعرفة. 


ظلت اللغة الفصحى وسيلة تدوين و إبتكار معتمدة في المجتمع اليهودي، و دخلت عدة مصطلحات و مفاهيم في الفكر اليهودي مقتبسة من الموروث الحضاري العربي الإسلامي، منها النصوص القانونية و العلمية،، و الفلسفية و مبادئ قانون الأحوال الشخصية، و التجارة و المسائل المالية التي كثيرا ما كانت تخالف التقاليد القانونية اليهودية. لقد تمكنت اللغة من ترك بصماتها على النصوص الشرعية اليهودية. 




يقول المفكر ،" ى ": فإن معظم الجماعات اليهودية و المسيحية القاطنة في غرب آسيا أو شمال أفريقيا و اسبانيا، دخلت تحت حكم الخلافة الإسلامية بعد الفتح و كان هذا تحسنا في أحوال تلك الجماعات، و خاصة اليهود إذ أنهم لم يعود مجرد جماعات منبوذة معرضة لاضطهاد الكنيسة الحاكمة، إنما صاروا جزءا من رعية الخلافة الإسلامية الواسعة، لها وضعها الخاص. 


إذ أن الشريعة الإسلامية في معاملتها لأهل الكتاب أو أهل الذمة لا تفرق بين الأمة الإسلامية، و سكانها أو رعيتها من اليهود. و على العموم فإن أحكام ذلك الوضع الخاص، كان إلى درجة كبيرة أرحم من العسف البيزنطي. لم يكن غريبا على الإطلاق إن كان بنو إسرائيل الذين تواجدوا في فلسطين و سوريا و الأندلس، قد ساعدوا بالفعل الفاتحين و اعتبروهم حلفاء لهم. 


منذ ذلك الوقت تقرر تاريخيا أن وضع اليهود في ظل حكم الخلافة الإسلامية كان أفضل بكثير من وضعهم في أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطى6. لا يمكننا أن ننسى أو أن نتناسى أو نتغافل عن دور الخلافة العثمانية في تكريس مبدأ التسامح الديني النابع من ديننا الحنيف في واقع اليهود.


 يقول الجليل: لا اكره في الدين قد تبين الرشد من الغي.


 فلقد رحب السلطان العثماني" بايزيد الثاني" بعشرات الآلاف من يهود السفارديم الذين نزحوا من الإسبان وفضلوا الإستقرار في العديد من المدن العثمانية منها مدينة سلانيك وإسطنبول وإزمير أدرنة، فرارا من المحرقات التي أقامتها هذه الدولة في كل المناطق، سنة 1492 لمعاقبتهم على ما يسمى بالهرطقة كما لجأ إلى الخلافة العثمانية سنة 1660العديد من اليهود الناجين من الموت المحقق من بولندا وأوكرانيا.


 لقد وجد اليهود الأمان و الحرية التي افتقروا إليها في بلدان أوروبا. نعلم أن أراضي الخلافة العثمانية هي أراضي الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى، التي فتحت من قبل المسلمين، صار اليهود مواطنين عاديين فيها، يمارسون أنشطتهم كسائر العثمانيين. لقد توافد على الخلافة الكثير من اليهود فيما بعد، جاءوا إليها من فرنسا أيام السلطان العثماني" مراد الثاني". و في أيام السلطان "سليمان القانوني" بلغ عدد اليهود أربعين ألفا في مدينة إسطنبول وحدها نهيك عن مدينة سالونيك التي صار معظم سكانها يهود.


 رأينا في المعاملة و التسامح مع اليهود


 لقد واكب بنو إسرائيل مسيرة الأمة الإسلامية، في نموها و ازدهارها وتقدمها و انفتاحها على ثقافات مجتمعات العالم، و تعاملها مع دوله في سائر المجالات، في السلم و في ظروف الحروب، و في حالات الإضطراب أو في حالات الإستقرار، عاشوا في كنفها مكرمين مدة طويلة من الزمان، من عهد الخلافة الرشيدية إلى عهد الخلافة العثمانية، و في شتى أقطارها المترامية في الإمبراطورية الإسلامية من أقضاها إلى أدناها. 


لقد وفرت لهم الأمة الإسلامية الجو المناسب لتوظيف مواهبهم في مختلف المجالات الفكرية و المعرفية، و منحت لهم الكثير من النهز لتمكينهم من استثمار قدراتهم المادية، و اغتنموا ذلك فعلا في جو الأمان و الطمأنينة، و في ظلم الحكم الراشد للمسلمين، فحققوا السعادة و الهناء و الإعتبار الذي فقدوه في بلدان أخرى، و وصلوا إلى أرقى مراتب المجتمع العربي الإسلامي. كل هذا من فضل الإسلام الحنيف، العقيدة السمحاء التي أصبح الإضطهاد في حق أهلها عمل مباح نهارا جهارا.



رغم النكران و الجحود، و التجاهل المتعمد من قبل الغرب اليوم، و اليهود على السواء، فإن تاريخ الإسلام المشرق سيظل حيا في فكر الطبقة المثقفة النزيهة في أوروبا و في عقول الأصفياء من اليهود أنفسهم، و سيعترفون طواعية، أو تحت وخز الضمير، إن طال الزمن أو قصر، بفضل الإسلام عليهم،و على سائر البشر بتسامحه مع الأديان، و اتساعه لكافة الناس، و بعظمة أهله و قبولهم لآخر على أساس أنهم بشر كسائر الخلائق. لا يريد المسلمون التعالي على أحد و لا التدني دون أحد، إلى مهاوي الذل و النذالة التي تفقد مروؤة الإنسان.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  1.  بول جونسون Paul Johnson مؤرخ بريطاني كتاب تاريخ اليهود. 
  2.  الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة. كتاب الخراج. 
  3.  أبن تيمية شيخ الإسلام 1263 ـ 1328 ميلادية. فقيه و محدث و مفسر. 
  4. عمر بن الخطاب أمير المؤمنين و الخليفة الثالث بعد الرسول. 
  5.  Chelomo Dov Goitein : 1900 ـ 1985 ميلادية مؤرخ ألماني من جذور يهودية.

بنو إسرائيل في ظل الحكم الإسلامي
أستاَََد أفغول عبد القادلر

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

    تابعنا عبر الايمايل

    google-playkhamsatmostaqltradent