recent
أخبار ساخنة

البحث التاريخي حول العبرانيين- اليهود- بني اسرائيل

أستاَََد أفغول عبد القادلر
الصفحة الرئيسية

 


البحث التاريخي حول العبرانيون



 من هم  العبرانيون واليهود


 السلام عليكم اعزائي القراء سوف نتطرق في هدا البحث على عدة نقاط حول تاريخ العبرانيون و العبريين و الاسرائيليين و اليهود و سنوضح بعض المفاهيم 

.بطريقة سهلة حتى يستطيع القارىء ان يستوعبها لهدا سوف يكون هناك عدة اجزاء و عدة عناوين



ـ لا يعرف لليهود على مر الزمان حسب الموروث التاريخي، تاريخ متكامل و واضح المعالم، لأن هذا الأمر يقتضي وجود إسهامات حضارية كثيفة في شتى الأصعدة، تحمل هوية شعب موحد، لديه رؤى مستقبلية واحدة. تماما مثل سائر الأمم التي شاركت بقوة في البناء الحضاري الإنساني عبر حقب التاريخ المتسلسلة.  هذا لا ينطبق بتاتا على هذا الشعب، حيث من خلال نصوص كتابه المقدس العهد القديم، يتبين أنه تواجد مشتتا بين مجتمعات مختلفة الأعراق، و متعددة الأجناس، تعايش تحت كنفها، و تعامل معها، كما أنه نزح  مضطرا إلى بيئات جغرافية متباعدة، هو غريب عنها، و لا يملك شيئا منها. 



لذا نلاحظ من خلال هذه النصوص، أن اليهود أكثر الشعوب تشبثا و تعلقا بوعيه القومي، و بشعوره  الديني، رغم التشرذم و التشتت الذي عايشه في الماضي، و يعايشه اليوم. و هذا حرصا منه على إدامة هذا الوعي، و المحافظة على إبقائه راسخا في فكره وضميره و إحساسه. فهذا الرصيد الوجداني يمثل لديه الوعاء الحيوي، الذي إحتضن مشاعره، وحماه في القدم من التلاشي و الإضمحلال، و كان ذلك على امتداد تاريخه المضطرب، و إلى اليوم. نكتشف إذن أن الاعتزاز بهذا الإرث الديني و النفسي و التاريخي، ظاهرا في كل أسفار العهد القديم، التي قيدتها أقلام حاخاماته و أحباره. فتاريخ اليهود هو في الحقيقة، يرقى  إلى درجة القداسة التي تتمتع بها العقيدة اليهودية النابعة من التوراة، أو هو النسبة الكبيرة منها، خاصة سفر التكوين و سفر الخروج و سفر العدد الذي سجلت فيه كل وقائع حياته، أثناء الغزوات،والنفي، والهجرات و الأسر والشتات. و الذي بات لزاما عليه، التمسك به أكثر من أي وقت مضى. و أن أنبياءه الأوائل هم رواد هذا التاريخ و مؤسسوه بجدارة في نظرهم. إنهم يدركون أن هذا التاريخ الذي نال صفة القدسية عندهم كما قلنا،  ظل هو المصدر الأساسي الذي يستمدون منه أسباب وجودهم و بقائهم، و بقاء كيانهم المصطنع ضمن الامم.


                                                                                

          ـ يبدأ وعي بني إسرائيل أو طائفة اليهود فيما بعد، بقوميتهم و بتاريخهم، تحديدا بظهور الأنبياء الكرام سيدنا إبراهيم، و إسحاق، و يعقوب عليهم السلام.  ما بين القرن 19قبل الميلاد و القرن 18قبل الميلاد . يسمى عندهم بعصر الآباء. كما يصطلح عليه في التاريخ العام بعصر العبرانيين Ebreu، و من هنا يعتبر سيدنا إبراهيم أول شخص عبراني جاء من أور العراقية إلى فلسطين، و أول نبي كريم قاد أول هجرة عبرانية نحو بلاد كنعان، و أول من تلقى  الوعد الإلهي بامتلاكه أرض فلسطين في المنطقة الكنعانية، أرض الميعاد حسب التوراة.  


                                          

           مفهوم  العبرانيون أو العبريون.


 يتساءل المرء عن ماهية العبراني أو العبري الذي نعت به أبو الأنبياء، و من جاء بعده من بني إسرائيل. لقد ذكرت التوراة أن العبرانيين شعب سامي، و سبب تسميتهم بهذا الاسم يعود إلى انتسابهم إلى عابر من سلالة سيدنا سام بن سيدنا نوح. و ينتسب إليه كذلك أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم الذي يعتبر أول عابر كما بينا آنفا. و هناك دراسات أخرى تسجل بأن العبرانيين هم مجموعة من القبائل البدوية متنقلة على الدوام، للبحث عن مصادر العيش و الماء. لا تملك مكانا ثابتا تقيم فيه. كان هذا المصطلح شائعا في شبه الجريرة العربية، يطلق خاصة على الشعوب غير المستقرة و بلا أرض.لقد استوطن العبرانيون منطقة سوريا الجنوبية التي عرفت باسم بلاد كنعان. نزح العبرانيون إليهاو هذه حسب مصادر التاريخ، في ثلاث موجات متعاقبة و هي:     

                                                                                        

  1 ـ الهجرة الأولى كانت في القرن 18قبل الميلاد. جاءت من بلاد الرافدين العراق، و عاصرت غزو العماليق أو الهكسوس في       مصر.                                                                                       

  2 ـ الهجرة الثانية كانت في القرن 14قبل الميلاد.جاءت مع تحرك الآراميين نحو بلاد كنعان.  

                             

  3 ـ الهجرة الثالثة كانت في القرن 13قبل الميلاد.جاءت من مصر و كانت بقيادة النبي موسى عليه السلام إلى بلاد كنعان كذلك. 


استعمر العبرانيون المهاجرون المناطق الساحلية من بلاد كنعان و هي فلسطين، و سكن العموريون المناطق المرتفعة، و انتشرت عناصر أخرى في أماكن متفرقة من البلاد. نتج عن تواجد العبرانيين مع بعض القبائل هناك،  علاقات نسب و مصاهرة، و ظهر جيل جديد من هذا الإمتزاج، تميز بالنشاط الحضاري الكثيف، في ميدان الاقتصاد الزراعي، و الثقافي، خاصة في الدين و اللغة و الكتابة و كانت اللغة السائدة في هذه البلاد هي اللغة الآرامية.  



 لقد ذكر اسم العبرانيين في التوراة لأول مرة، مرتبطا بهجرة سيدنا إبراهيم حين هاجر من بلاد الرافدين العراق إلى فلسطين، عبر حران، و استقر هناك هو و قبيلته، و أقام فيها حفيده سيدنا يعقوب عدة سنوات،  وقتها أصبح هذا النبي زعيماعلى العبرانيين و شيخ قبائلهم، اتخذ فيما بعد اسم إسرائيل.  سميت جماعته و أبناؤه بهذا الاسم. أما سيدنا يوسف عليه السلام الذي عرف بمنزلته في بلاط الدولة المصرية، أقام فيها وأتباعه من بني إسرائيل فيما بعد، أجيالا عديدة،  إلى غاية ظهور موسى عليه السلام، الذي رحل بصحبتهم من مصر إلى فلسطين. إن بعض المؤرخين يميلون إلى أن بداية العبرانيين كانت أثناء هذه الرحلة في عهد رمسيس 2. تحديدا ما بين1224 ـ 1215.قبل الميلاد  

  

                                                             

لقد واجه العبرانيون مصاعب جمة أثناء عبورهم سيناء مع سيدنا موسى، منها محاولة التوغل في أراضي كنعان قصد الاستيلاء عليها،  لتثبيت سلطانهم فيها.  و سقطت بالفعل فلسطين بأيديهم، و استقرت في تلك الأراضي الفلسطينية، اكبر القبائل العبرانية منها  قبيلة يهوذاJudaو قبيلة بنيامين أبناء سيدنا يعقوب، و استولوا على أورشليم Jerusalemو بعض المناطق الشمالية. استغرقت هذه الفترة قرنين من الزمن عرفت بعصر القضاة. سنعود إليها في فصول أخرى.



 فترة العبرانيين أو الآباء الأوائل.

 هي حقبة طويلة من التاريخ البشري ضمت في الحقيقة مجموعة من الشخصيات الدينية أو الأنبياء الذين سبقوا النبي موسى عليه السلام حسب التراث الديني التاريخي القديم. من أشرهم سيدنا إبراهيم، إسحاق، يعقوب عليهم السلام و أبناء يعقوب المعرفون في التاريخ بالأسباط. و حسب الرواية التوراتية في سفر التكوين يضاف إلى هذه الشخصيات آدم و نوح عليهما السلام. أما موسى عليه السلام فهو بداية لمرحلة تاريخية جديدة في التراث الديني الإسرائيلي عرفت بملة اليهود حسب سجل المؤرخين.   



 إن الشخصية المؤثرة في التراث الديني القديم لهذا الشعب، هو سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي قطع وعودا كثيرة مع الله، أو الإله إيل El، و أصبح الشخصية الأساسية ينتسب إليه بنو إسرائيل و  أسلافهم الأوائل. و أن من البديهي لعامة الناس، أن سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بعقيدة التوحيد و ناضل من أجل تثبيتها في أفئدة أفراد القبائل.  تميزت هذه الديانة، ديانة التوحيد بالبساطة و اليسر، و خلوها من التعقيد، تماشيا مع طبيعة أذهان الناس آنذاك، الذين كان معظمهم بدو الصحراء و رحالها. فهي عقيدة دينية، ركزت أساسا على التوحيد دون التشريع، و حاربت عقيدة التعددية الدينية Polythéismeفي بداية ظهورها.


إضافة




 بلاد كنعان.


 بعد استعراض مفهوم العبرانيين و الآباء الأوائل، علينا أن نشرح بإيجاز موقع بلاد كنعان ضمن بلدان منطقة الشرق الأدنى القديم، و دور الشعوب التي استوطنتها و طبيعة العلاقات التي كانت بينهم.    




 Canaan: تتمثل بلاد الكنعانيين قديما في كل الأراضي المنخفضة الواقعة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط . و هي اليوم فلسطين و سوريا، و لبنان. كان للمنطقة الكنعانية دور تاريخي و حضاري كبير ضمن حضارات الشعوب القديمة. تدل الحفريات القديمة على أنها تعد من أقدم الحضارات الإنسانية. ورد ذكرها في الكتب المقدسة التوراة و الإنجيل. شهدت هذه المنطقة توافد شعوب كثيرة عليها، أهمها الشعب الفلسطيني، و العبرانيون أو الأنبياء الأوائل، و بني إسرائيل فيما بعد. تعرضت هذه المنطقة إلى حروب عديدة في تلك الآونة، قصد استعمارها و الاستقرار فيها. لما كانت تمثله من موقع بحري هام يساعد على التجارة البحرية مع دول الأجنبية، و تتوفر على واجهة إستراتيجية توائم المنطقة للسيطرة على الطرق التجارية البحرية، و بالتالي التحكم في الشريط الساحلي الذي يمنح للبلاد إمكانية  الصيد البحري والتبادل التجاري عن طريق عملية التصدير و الاستيراد مع الشعوب الساحلية.



          هذا التوضيح الجغرافي المبسط لهذه المنطقة، يساعدنا على تحديد المجال الترابي لها بدقة من ضمن بلدان، الشرق الأدنى القديم، و الذي جرت فيه النسبة العظمى من الأحداث التاريخية لبني إسرائيل و اليهود فيما بعد، و لا زال ذلك مستمرا إلى وقتنا المعاصر، كما يبدو جليا للعيان . 


 إن هذه المصطلحات التي أوردناها في سياق هذا البحث، المتمثلة في مفهوم العبرانيين و عصر الإباء و بلاد كنعان،  توخينا التعرض إليها، بالتبسيط و بالتوضيح بغية الاستعانة بها في فهم الإطار العام للموضوع، لأنها ستوظف فيه لاحقا بشكل كبير.  



 حياة سيدنا إبراهيم الخليلAbraham 


إن من بين الأنبياء الأوائل الذين كرمهم الله بالنبوة، و أول معلم في المسار التاريخي لقوم بني إسرائيل، هو سيدنا إبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء، وخليل الرحمن، وأول مؤسس للملة الإسلامية. 


يقول تعالى: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِير)



     ولد سيدنا إبراهيم  عليه السلام في مدينة أورسدوم،  و هي مدينة صغيرة، تقع في البحر الميت. و توفى في مدينة خل إيل الفلسطينية، ما بين 2175ـ 2096 قبل الميلاد.اسمه إبراهيم بن آزر، وأمه أميلة، وهو كنعاني، آرامي. تزوَّج من ثلاث نساء: سارة  Sarahالآرامية، وهاجرAgarالمصرية،  وقطورا Ketourahالكنعانية الفلسطينيَّة. وكلمة إبراهيم وتعني باللغة الآرامية الأب الجليل الوقور. لقد اختلف الكتاب كثيرا حول نشأته، و تنقلاته الكثيرة عبر مناطق الشرق الأدنى القديم.  فقال الأستاذ دايشيسDaiches: أن  أسرة سيدنا  إبراهيم الخليل، كنعانية فلسطينية،  جاءت من فلسطين، وطنها الأصلي حسبه،  إلى بابل العراقية أي عكس ما سنرى. بينما يخالفه أحمد سوسة العراقي في هذه النظرة تماما، فيقول أن أسرة  سيدنا إبراهيم عليه السلام انتقلت من جزيرة العرب إلى منطقة بابل العراقية، في حدود 2000قبل الميلاد، ثم غادرتها إلى حاران أو حران، و منها إلى باقي الأراضي الكنعانية في فلسطين.  زارت أثناء هذه الرحلة  الشاقة، مصر ثم عادت منها إلى حبرون.كما أقامت فترة قصيرة في دمشق. كان سيدنا لوط ابن أخ سيدنا إبراهيم مرافقا له في معظم هذه الرحلة العبرانية الطويلة المضنية، التي كان الغرض منها في الأساس نشر دعوة التوحيد، والبحث على مصادر العيش و الاستقرار.



ـ رزق سيدنا إبراهيم من زوجته هاجر المصرية، ولدا سماه إسماعيل، الذي يعتبر في التراث الإسلامي أبا العرب. ومن سارة الآرامية إسحاق، الذي عرف عليه أنه عليم بالدين و نبي من الصالحين. و كان الفرق بين ولادتهما  13سنة. كما أنجبت له  قطورا الكنعانية عددا من الأبناء.



          ـ أن سيدنا إبراهيم عليه السلام، من سادة القبائل البائدة في منطقة الشرق الأدنى القديم، و من أجلهم و أعظمهم شأنا. كان يتمتع بخبرة واسعة في معرفة المسالك الوعرة، و مجاهل الصحاري الشاسعة، و مواقع المياه المتباعدة، نظرا لاعتياده على الترحال المستمر. و كان ملما بجميع لغات الأقوام التي كان يتصل بهم آنذاك، و من أغلبها و أقواها فصاحة، اللسان العربي الذي دون به الكتاب الكريم. مر نبينا الكريم بالحجاز قصد تفقد الكعبة المشرفة عن كثب قبل رحلته إلى مصر. 



  يلاحظ القارئ الكريم من خلال هذه المعلومات، أن هذا النبي الكريم دأب على الترحال، و ارتياد تلك المناطق، كشأن القبائل المعاصرة له، التي كان سبب عدم استقرارها يعزى إلى البحث عن المواقع التي توفر لهم أسباب العيش الكريم. يقول الباحثون في هذا الصدد، أن سيدنا إبراهيم سلك طريق الفرات، من مدينة أور إلى حران قاصدا في هذه الرحلة، مدينة ماري عاصمة الأموريين، التي كانت مهدا لسلالة ملوك بابل، و التي كان من أشهرهم  الملك حمورابي. ثم غادر حران إلى دمشق مارا بتدمر و منها إلى فلسطين . أما مصر فجاء إليها عن طريق صحراء شبه جزيرة سيناء. وحسب الباحث أحمد سوسة دائما، أن جل القبائل التي ظهرت في فلسطين، أو ما جاورها و تعايش مع بعضها هذا النبي الكريم، هي  قبائل كنعانية و عربية بائدة . كعاد و ثمود ومعين و سبأ و العمالقة، وهي أرامية في الأصل. كان سيدنا إبراهيم ينتمي إليها، و على صلة دائمة بها، اندثرت بعده  تباعا.  



 أن سيدنا إبراهيم عليه السلام شخصية تاريخية مجاهدة بارزة، سمت بها هالة النبوة فيما بعد إلى معالي المجد و السؤدد. لقد ظهر اسمه  في الكتابات القديمة كالمسمارية،  و في الخطوط الهيروغليفية المصرية القديمة، ما بين 974ـ 925 قبل الميلاد و في الخط الأشوري 681ـ 669 قبل الميلاد، و هذا دلالة واضحة على أن سيدنا إبراهيم جال و صال في الشرق الأدنى القديم كثيرا.                                                                    



  بيد أن السيد القمني لا يرى من خلال كتابته،  أن يكون سيدنا إبراهيم عليه السلام، قد تردد كثيرا على البلاد العربية، إلا لزيارة مكة المكرمة من أجل بناءالكعبة وإقامة أركانها، بمساعدة  ابنه  سيدنا إسماعيل عليه السلام، امتثالا لأمر الله، لكي تصبح ملائمة لتأدية الشعائر الدينية آنذاك، و هي شعيرة الحج في الأساس.


  قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.)  .  


وبالمناسبة فان مكة و الأمكنة المجاورة لها كانت تعد بقاعا مقدسة لدى عرب الجاهلية و عند المسلمين فيما بعد. يؤكد السيد القمني كذلك حسب نفس المصادر التي استقى منها المعلومات، أن سيدنا إبراهيم عليه السلام، كان موطنه الأصلي العراق لا فلسطين، ثم هاجر إلى كنعان الفلسطينية، ثم زار مصر ثم توجه إلى اليمن ثم مكة، ليعود إلى بلاد كنعان في الأخير. و كانت اللغة السريانية عنده هي لغة الخطاب لا غير حسبه، التي تعامل بها مع غيره ممن كان يتصل بهم. يشاطره في هذا الرأي الشيخ ابن كثير فيما يخص المولد


 فيقول: أن الأرض التي ولد فيها نبينا إبراهيم  هي أرض الكلدانيين، أي بابل العراقية، ثم هاجر منها إلى فلسطين. وهذا هو القول الراجح عند سائر المفكرين المسلمين. عكس ما جاءت به نصوص التوراة اليهودية المتناقضة،و بعض المؤرخين الغرب على أنه حراني فلسطيني.




  يتضح  للقارئ هنا، أنه كلما استرسلنا في الموضوع الخاص بسيرة سيدنا إبراهيم، زدناه  تناقضا في استعراض المعلومات التاريخية، لتضاربها و تباينها. و رغم ذلك فإنها معلومات قد توصل إليها كل المؤرخون المعنيون بهذه المسألة رغم تناقضها، بطريقهم الخاصة واقتنعوا بها وتبنوها على أنها أحداث تاريخي حقيقي. فاللبناني كمال الصليبي و على عكس ما قال به السيد القمني، يثبت أن جل أحداث سيرة سيدنا إبراهيم الخليل كانت ضمن حدود جزيرة العرب فقط. في نفس السياق يفترض الأردني فؤاد بطاينة، أن ظهور إبراهيم كان بين القرنين 22ـ20 قبل الميلاد. ولد إبراهيم الخليل في جنوب العراق، أيام الدولة البابلية في مدينة كوثا. فهو آرامي  ينتمي للقبائل العربية البائدة. هاجر إلى حران، ثم نزح مع زوجته سارة إلى حبرون الفلسطينية الكنعانية.  يشاطره في الرأي جورج مندنهال، بأن إبراهيم هو اسم آرامي من أصول أمورية عربية كنعانية. ولم يذكر أي باحث في نهاية المطاف أنَّ إبراهيم ليس من أصول آرامية.




  ـ من جهة أخرى ترى النصوص الدينية  كالتوراة،  أن أسم والد إبراهيم الخليل هو تارح، قائد القبيلة النازحة باستمرار في نطاق المنطقة الكلدانية العراقية، وليس آزر، وأن موطن قبيلته الأصلي هو أور الكلدانية العراقية. أما مجير الدين الحنبلي، يقول أن والد إبراهيم هو آزر و أمه نونا. و هذا ما يؤكده القرآن الكريم أن والده هو آزر. و حسب هذا الباحث فإن سيدنا إبراهيم هاجر إلى الرها، و هي مدينة تقع جنوب شرق الأناضول التركية حاليا، ثم إلى بعلبك  فمصر، ثم توجه إلى الشام ثم عاد إلى فلسطين. وبعد مدة  توجه  إلى مكة المكرمة  بصحبة زوجته هاجر، التي ولدت له إسماعيل كما أسلفنا.  كانت منطقة مكة يومذاك خالية من السكان، و شحيحة المياه. ترك إبراهيم الخليل وقتذاك السيدة هاجر و طفلها، و قفل راجعا إلى فلسطين.



 يسجل الله تعالى دعاء إبراهيم فيقول في كتابه الكريم: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. )  . 



 اجتهدت هذه السيدة الكريمة و لم تيأس في البحث عن الماء، و هي تهرول في سعيها بين الصفا و المروى إلى غاية العثور على  ماء زمزم المبارك. كبر سيدنا إسماعيل في أحضان قبيلة جرهم، قاطنة مكة في ذلك الوقت. وتزوج منهم، و تعلم لغتهم العربية الفصيحة. كان سيدنا إبراهيم يتردد على مكة باستمرار في زيارات خاصة، كي يطمئن على أسرته. قرر هذا النبي الكريم الشروع في إعادة بناء الكعبة المشرفة بمساعدة ابنه سيدنا إسماعيل. يقول الله جل جلاله: (إن أول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم و من دخله كان آمنا و الله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا.و من كفر فان الله غني عن العالمين) .وتم ذلك، وبقيت على حالها إلى أن قامت قبيلة قريش بهدمها، سنة 35من مولد النبي محمد صلى الله عليه و سلم، وأعادت تشييدها من جديد. ندرك من خلال هذه النصوص المذكورة، أن تضارب المعلومات المسجلة فيها، تقودنا إلى القول بأن الأماكن الأساسية التي جال ضمنها نبينا إبراهيم هي العراق جزيرة العرب مصر وفلسطين على أقل تقدير.




 سيدنا إبراهيم و عقيدة التوحيد: Monotheism .


 كان آزر من كبار الشخصيات المؤثرة في المجتمع، و صاحب الحل و الربط فيها. وتؤكد الكتب الإسلامية ذلك، حيث تقول إنه كان على صلة بالملك الوثني  Idolâtreنمرود بن كنعان. كان يصنع التماثيل الخاصة للعبادة، و يرغم سيدنا  إبراهيم على بيعها للناس. فيؤدي الابن هذه المهمة على مضض، و ظل يتذمر و يستنكر هذه الفعلة  الدنيئة طيلة مدة طفولته. لان هذا العمل ينافي الطبيعة البشرية، و يناقض الفترة السوية للإنسان. صارت عبادة الأصنام في غاية القداسة عند قومه. فهي العقيدة الشائعة في أوساطهم، و الراسخة في نفوسهم، ولا غرابة عندهم إن تعددت أسماؤها و أشكالها المادية، وطقوسها الساذجة. حين كبر سيدنا إبراهيم وأشتد عوده،  صار يدرك ضخامة العمل الذي ينتظره في المستقبل، و صعوبة الكفاح من أجل تثبيت عقيدة التوحيد في قلوب الناس، تلبية و طاعة لله الواحد القهار و تنفيذا لأمره، و هداية قومه إلى سواء السبيل.  اتخذ لتنفيذ هذا الأمر طريقة قويمة تمثلت في :

 أولا: خالف إبراهيم أباه آزر في ممارسة هذه العبادة. فقال الله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنَّه كان صِدّيقاً نبيّا، إذْ قال لأبيه يا أبتِ لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يُبصرُ ولا يُغني عنك شيئا، يا أبتِ إني أخاف أن يَمْسَسْكَ عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان وليّا.)


.ثانيا: سفه علنا أحلام كل من كان يؤديها من قومه خوفا من ظلم الحكام، و بطش الكهنة، أو اعتقادا منهم على طريقة تقليد الآباء.

 

  ثالثا:نادى جهرا بعقيدة التوحيد عن طريق مجادلة الناس من قومه بالحسنى والإقناع، قصد الوصول إلى البرهنة على بطلان دينهم، و الرجوع بهم إلى عقولهم، كي يتيقنوا في الأخير من أحقية الله بالعبادة و تفرده بها. يقول الله تعالى في كتابه: (و أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بالمهتدين)


تمثلت عقيدة إبراهيم الخليل في عبادة إله واحد لا أحد سواه، و تنزيهه عن كل الأشكال الماديةالمجسدة. و الإله في اللغة الآرامية هو إيل  El.  و كانت عبادة إيل منتشرة في بعض المناطق من فلسطين و سوريا و لبنان و شرق الأردن و بلاد العرب. كانت شعوب هذه البلدان تجسده في أشكال وثنية Idole مختلفة،  إلى جانب عبادة إيل، كان الناس يعبدون كذلك آلهة أخرى مجسدة.  ما جعل سيدنا إبراهيم يعلن جهرا الحرب عليها،  و يستهزئ  بها بشدة، بل يقوم بتكسيرها خلسة من المؤمنين بها. 


قال الله تعالى في كتابه: (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم . قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون.) .


لقد عرض إبراهيم نفسه للهجر من طرف الناس و الاضطهاد من قبل الملك و عامة قومه،  فتآمر عليه نمرود الكنعاني و أتباعه على تقييده و إلقائه في النار. 


قال الله تعالى: ( قالوا حَرِّقوهُ وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.  قلنا يا نار كوني برْداً وسلاماً على إبراهيم)..إن هذه الحادثة وردت كذلك في إنجيل برنابا، الإنجيل الخامس المخفي عمدا عن المسيحيين من قبل الكنيسة الأوروبية .  



           

 تعاطف مع سيدنا إبراهيم في ظروف الدعوة القاسية إلى الدين الجديد، دين التوحيد عشيرته، و أتباعه من المؤمنين،  فناصروه و شجعوه على مواصلة تبليغ هذه الرسالة. إن عقيدة التوحيد عقيدة قديمة، نادي  بها سيدنا إبراهيم، قبل ظهور الديانة الموسوية  بفترة قدرت 700 سنة أو يزيد. فلا توجد إذن أية صلة بين الدين الإبراهيمي الحنيف، و الدين اليهودي المبني على عبادة الإله يهوه Yahvé.  كما ادعت أسفار التوراة. لقد فصل الله في الأمر وبين ذلك في القرآن الكريم. 


فقال تعالى في هذا الشأن: )ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما و ما كان من المشركين.) .  



ولم يكن العراق بلدا لليهود زمن إبراهيم على الإطلاق إلا بعد مدة طويلة. مات إبراهيم الخليل سنة 2096 قبل الميلاد. عن عمر تجاوز مائة وخمس وسبعين سنة. دفن في مغارة قد اشتراها في مدينة حبرون Hebron و الخليل، و هي مدينة فلسطينية قرب القدس، دفن كما قلنا، بجوار زوجته سارة. أشرف على مراسيم الدفن سيدنا إسماعيل وإسحاق،و حضره حشد من المؤمنين وفي نفس المقبرة دفن إسحاق و يعقوب فيما بعد. بينما  دفن سيدنا  إسماعيل و أمه هاجر في مكة  المكرمة.



 نلاحظ أن سيدنا إبراهيم لم يملك شيئا يذكر من العقار في أرض فلسطين، و لا حتى قطعة صغيرة يدفن فيها، فاستوجب عليه  أن يشتري مغارة أوقفها لهذا الغرض. إلا أن التوراة  تزعم بأن الله وقع ميثاقا مع إبراهيم يقضي تمليكه كل أراضي كنعان.

 فتقول التوراة: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات. صار هذا وعدا شرعيا ومطلبا مقدسا عند اليهود اليوم، كتب هذا الوعد على جدار الكنيست اليهودي حاليا، وتبناه الكيان الإسرائيلي كإيديولوجية استعمارية توسعية، و فلسفة عنصرية القصد منها تهويد المنطقة و تفريغها من العرب.






  

البحث التاريخي حول العبرانيين- اليهود- بني اسرائيل
أستاَََد أفغول عبد القادلر

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Mohamed benkhelifa photo

    سلام عليكم نفتخر بهذه مقالات مفيدة وثقافة عامة حول تاريخ ديني وسيرة نبينا خليل الرحمان
    شكرا على افادة

    حذف التعليق

    تابعنا عبر الايمايل

    google-playkhamsatmostaqltradent