recent
أخبار ساخنة

عيسى بن مريم - قصة عيسى عليه السلام

أستاَََد أفغول عبد القادلر
الصفحة الرئيسية



عيسى بن مريم - قصة عيسى عليه السلام
عيسى بن مريم




مولد و نسب عيسى عليه السلام Jesus.



ولد النبي عيسى عليه السلام، في عهد الملك هيرودس Herode في مدينة بيت لحم بفلسطين التي كانت يومذاك منطقة مستعمرة تابعة للإمبراطورية الرومانية. ينحدر السيد المسيح من سلالة الأنبياء الطيبة الكريمة، فهو إبن السيدة مريم البتول Marie La vierge بنت السيد عمران بن ماثان من ولد النبي سليمان بن داود، وهم جميعا من سبط لاوي من نسل نبي الله هارون. أما آل عمران والد مريم الطاهرة.


فقال الله فيهم: إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. 1 .


 فالله سبحانه وتعالى فضل هذه السلالة النقية الطاهرة سلالة الأنبياء على سائر أهل الأرض، وآل عمران هم من نسل آل إبراهيم عليه السلام. 


إن المسيح هو آخر أنبياء بني إسرائيل، بعثه الله فيهم بعد النبي سيدنا موسى، كما أن النبي محمد صلى الله عليه و سلم هو آخر نبي و رسول عربي بعث للبشرية جمعاء. جاء المسيح عليه السلام ليبلغ بني إسرائيل من جديد عقيدة التوحيد التي أهملوها و فرطوا في تعاليمها المقدسة. 


 لقد بشر الله هذا قوم برسالة التوحيد على يد هذا النبي الكريم الذي هو من أشرف اليهود على الإطلاق. لم يقصر لحظة من حياته القصيرة جدا في هدايتهم أبدا، و إرشادهم إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، و إلى الحق و الصلاح و الإمتثال للقيم النبيلة، و الأخلاق السديدة. و حسن معاملة الناس، و نبذ الشرك و الإبتعاد عن الضلال و السوء و الفحشاء، و الكف عن المنكر و الشرك، و عن تكذيب الأنبياء الله الكرام و قتلهم. 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


  1.  سورة آل عمران، الآية 33 ـ 34





لقد كانت ولادة الصبي عيسى عليه السلام أول معجزة أبهرت اليهود و أذهلتهم، هم و أحبارهم. قال الله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرّبِينَ. وَيُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ.1. 


إنه صبي زاد بلا أب، و من وأم عذراء مريم البتول الطاهرة. و تكلم وهو في المهد صبيا، فكانت قدرته على الكلام و هو في المهد معجزة ليبرئ الله بها أمه من تهمة البغي، و يظهر بهذه الولادة المباركة مدى عفتها و طهرها أمام الناس، و يبطل كل التهم التي لفقت لها من قبل مرضى القلوب من الحاقدين و الناقمين عليها.


 قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً. فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً. 2.


 يصف الرسول صلى الله عليه و سلم النبي عيسى فيقول: َرجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ. سنن داود. وقال فيه أيضاً: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ يَعْنِي الْحَمَّامَ. 


لما بلغ من العمر ثمانية أيام ذهبت به أمه مريم البتول إلى بيت المقدس ليختتن، و هنا أطلق عليه إسم يسوع تبسيطا لليهوشع المركب من يهوه الإله، و شع الخلاص، و عند الثلاثين من عمره، قصد النبي يحيى بن زكريا، ليقوم بتعميده، و التعميد عند النصارى هو طريقة الإغتسال بالماء بغية التطهر من الذنوب و الخطايا و إعتناق النصرانية


 قد نال هذا النبي أي يحيى عليه السلام شرف نزول الوحي عليه من ربه. لقد تميز بخشية الله و المواظبة على العبادة بكثيرة الصوم و الإجتهاد في تبليغ تعاليم رسالة التوحيد بكل ما أتاه الله من قوة، يدعو بني إسرائيل إلى التمسك بشريعة الله التي بلغها لهم موسى عليه السلام من قبل، كما بشرهم بمجيئ عيسى عليه السلام، و هو أبن خالته. قال الله تعالى له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة. 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1.   سورة آل عمران، الآية 45 ـ 46 2 ـ سورة مريم، الآية 16 ـ 21 






النبي يحيى أو يوحنا المعمدان Jean le Baptiste. 



إشتهر النبي يحيى عند المسيحيين بيوحنا المعمدان Jean le Baptiste نسبة إلى تعميد الناس لتطهيرهم من الخطايا و الذنوب، و إستقبالهم في النصرانية . أعدم هذا النبي الكريم، يوحنا المعمدان على يد الملك هيرودس أنتيباس Herode Antipas المعروف بفجوره و خساسته و نذالته ، و قدم رأسه مهرا على طبق من ذهب دون حياء، بمناسبة زواجه بأخته بعد تطليقها من زوجها، و العلة في ذلك أن النبي عليه السلام عارض هذا الزواج معارضة شديدة، و قبح هذه الفعلة الغريبة عن دين الله التي تمثلت في زنا المحارم، و ثار على من يخالف الشرع السماوي، الذي سنه الله لعباده، حتى لو كان ذلك من أعتى الطغاة على الأرض. 




 حياة عيسى عليه السلام الرسالية.



 لقد أنزل الله روح القدس، جبريل عليه السلام على النبي عيسى المسيح و هو في الثلاثين من عمره، بكتاب الإنجيل المقدس، فكان ذلك إيذاناً و إنطلاقا ببدء نبوته و بشرى لليهود برسالة التوحيد بعد موسى عليه السلام. كان هذا النبي شديد الإقتداء بسيرة النبي موسى عليه السلام و أكثر تمسكا بأخلاقه، وبتعاليم التوراة التي نزلت عليه، إنه كان عالما و متفقها فيها و أكثر تعلقا بما جاء فيها. 


فيعبد الله تماما كما كان يعبده موسى من قبل، يصوم و يصلي و يمارسه الطقوس كما هو منصوص عليها في الكتاب. يحسن اللغة الآرامية المتداولة في المنطقة، و اللغة العبرية لغة قومه. يتفانى في خدمة المعبد و يواظب على رعايته و صيانته بكل جدية و تفان. كان يأكل الذبائح المذكاة، و يمتنع عن أكل لحم الخنزير.


 إشتهر بكثرة قيام الليل. و آخر طعام تناوله كان يوم عيد الصفح اليهودي، اليوم الذي يحيي فيه اليهود ذكرى تحررهم من فرعون على يد سيدنا موسى. يحترم يوم السبت المقدس. لم يتزوج قط، و لم يحرم غيره منه، على نقيض ما يفعله اليوم الرهبان و الراهبات من العزوف عن الزواج و عن الرغبة في بناء أسر كسائر البشر. هذه البعض من خصاله الكثيرة التي عرف بها. 



 لقد قرر سيدنا عيسى المسيح إعتزال قومه و الإبتعاد عنهم في الصحراء لفترة معينة. قدر المؤرخون ذلك بأربعين يوما قضاها في العبادة ما بين الصيام و القيام و الإضلاع على نصوص التوراة، أسوة بسيدنا موسى عليه السلام. بعد عودته من الإعتزال، شرع في تنظيم مقاومة ضد الشرك و الفساد الذي إستشرى في قومه كالوباء القاتل الذي يحصد رؤوس الشرفاء دون رحمة و لا رأفة .


 لقد إقتضت الحكمة في شأن المقاومة أن يتفرغ هذا النبي للتخطيط لها بكل حذر و دقة لكي يصل إلى النصر المبين الذي يتمثل في تجفيف منابع الفساد و الشرك، فإنتقى إثنى عشر رجلا من خيرة أبناء اليهود الذين يمكن للنبي الإعتماد عليهم في مثل هذه التدابير وسعى هؤلاء الرجال بدورهم إلى دعم الثورة بمقاومين جدد قوامهم سبعين رجلا، إلى غاية أن وصل العدد إلى أربعة آلاف متطوع.


 بدأ الأمر في تنظيم المقاومة بالسر و التكتم الكامل و فيما يخص إعداد الجيش و تدريبه و كان كذلك بعيدا عن الأنظار في الصحراء، حتى لا تعلم سلطات الإحتلال بمجريات أمر المقاومة، و لا بمكانها. كان السيد المسيح و أتباعه من المقاومين على أتم إستعداد للتضحية و للفداء بأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله، و محاربة ظاهرة الفساد و الظلم و الإستغلال التي تجذرت في المجتمع. كان المسيح عيسى لا يطمح من وراء ذلك إلى مآرب الدنيا الرخيصة، و لا في سلطة دنيوية زائفة و زائلة، أو قيادة تسلطية على القوم. 




ومنذ ذلك الوقت انطلقت عجلة الحق تكتسح مواطن الباطل رويدا رويدا في قومه اليهود ضمن رسالة الوحي الإلهي التي وقعت على عاتق المسيح عليه السلام. إنها مهمة من أعظم المهام و أخطرها على الإطلاق في قوم انحرفوا عن شريعة موسى عليه السلام و كفروا بها علانية.


 قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ. كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ. 1 .


 لقد إنتشر خبر نبوءة عيسى عليه السلام بين اليهود في فلسطين، كإنتشار النار في الهشيم، و من الطبيعي جدا أن يصل هذا الخبر على الفور، و في حينه إلى هيرودس ملك اليهود المنصب من قبل السلطة الرومانية، و تم نقل الخبر على جناح السرعة بواسطة الجواسيس المندسين في المجتمع اليهودي و هذه الوشاية هي شيء عادي عند اليهود بل هي من شيمهم الخبيثة. فلقد نزل هذا الخبر عل الملك كالصاعقة في ليالي الشتاء ، فأصيب بالإحباط الشديد، و الإنهيار التام المريع و بصدمة قوة لشخصيته المتغطرسة. و أوعز إليه كهنة بني إسرائيل أن الطفل تكلم في المهد، يريد ملكك و يهدد سلطان روما برمتها. 



إحتار الملك حيرة شديدة، فلم يكن يتوقع يوما أن يهدد ملكه و أن يغير دين شعبه، فما كان عليه إلا أن بادر بعقد إجتماع موسع لكبار ضباط الجيش و الجواسيس، الذين وضعوا في متناوله تقارير كثيرة تشير كلها إلى أن هذا الطفل سوف يخلص الشعب اليهودي من أحواله المزرية، و يعيد أمجاد أجداده الملوك داود و سليمان، عليهما السلام.


 لم يجد هذا الملك بدا، و لا مخرجا من ذلك، إلا اللجوء في إصدار أمر بالبحث عن الولد عيسى، و أمه مريم البتول في كل مكان يمكن أن يصلا إليه و يختبئا فيه، وأن يضحي بكل الأطفال المولودين في تلك الفترة التي ذاع فيه خبر ولادة النبي، لكي يصل إليه بسرعة قبل تفاقم الوضع . والملك هيرودس Hérode هو ابن الدبلوماسي أنتيباتر الإدومي و من زوجته النبطية، عين حاكماً على مدينة الجليل بفلسطين ، ثم صار ملكا على اليهود. 


تمكن من بسط نفوذه على هضبة الجولان السورية المحتلة اليوم ، إلى البحر الميت جنوبا، تميزت أيام حكمه بالإزدهار الإقتصادي و الرقي الثقافي. وقد كان حليفاً أميناً و خادما طيعا للإمبراطورية الرومانية. إعتمد اللغة و الثقافة اليونانية و الرومانية في سائر أعماله الإدارية . إتخذ من القدس العاصمة مقرا للحكم يدير منها شؤون البلاد. و من أعماله التي وثقها المؤرخون، أنه قام بترميم هيكل سليمان في بيت المقدس ، و مدينة السامرة



و رغم ذلك فلقد شهدت فترة حكمه معارضة قوة من قبل بعض الفرق اليهودية الدينية المذكورة سابقا. تعتبر هذه الشخصية في نظر المسيحيين فيما بعد، و حسب إنجيل متى، طاغية و مجرم، قام بسفك دماء الأبرياء، الصبية المولودين في بيت لحم دون رحمة و لا وخز الضمير، و لا تردد حين أطلعه اليهود خبر عيسى عليه السلام أنه خصمه اللدود، سيكون قاهره و هالكه و محطم ملكه. أن التاريخ لا يرحم أحدا أنه يسجل كل فضيلة و رذيلة فرغم إهتمام هذا الملك بترقية البلاد إلا أنه لطخ سجل تاريخه بإبادة الكثير من أبناء شعبه خشية سقوط عرشه.


 فمات و الناس ساخطون عليه أشد السخط، و تفاءلوا خيرا بوفاته، حتى أن أبناءه الثلاثة قد إستاؤا من أفعاله المتهورة و الساقطة الخاضعة لنزوات و هوى نفسه. قسمت البلاد بعده بين أبنائه و كان من نصيب هيرودس الثاني أنتيباس Hérode Antipas منطقة الجليل مسقط رأس المسيح. شرع حين توليه الملك بإصدار مرسوم يقضي على الفور بإحصاء سكان اليهود المتواجدين في أرض فلسطين، قصد ضبط عددهم و ممتلكاتهم و ثرواتهم بغية إرغامهم على دفع الجزية له، و تسخير عمالهم و عبيدهم لخدمته، و يكونون دائما تحت إمرته مباشرة. 



لقد علمت السيدة مريم البتول بالمؤامرة التي دبرت في القصر بمعية الخونة من اليهود للقضاء على إبنها. نزل الخبر عليها من قبل ملك كريم من ملائكة السماء بعثه الله إليها. أمرها الملك بالخروج إلى مصر، المكان الذي يبعدها عن دسائس اليهود و مؤامراتهم الغادرة التي تحاك دائما في جنح الليل، و عن جبروت ملكهم الذي تميز بالغلظة و البطش و إنعدام الرحمة من قلبه. لقد لعب سيدنا زكريا دورا أساسيا في تهريب العذراء و طفلها في قافلة تجارية متجهة إلى مصر. و كان المسار الذي قطعته السيدة مريم مع التجار أثناء الرحلة، هو نفس الطريق الذي مر عليه سيدنا موسى في صحراء سيناء لما بشر بالنبوة. 



إن قصة السيدة مريم لم تذكر على الإطلاق في كتب الأناجيل المعتمدة من قبل الكنيسة المسيحية. و من الغريب جدا أن أحداث العذراء، و ولدها همشت عمدا و تم التستر عليها، خاصة أثناء فرارهما من الملك هيرودس إنتيباس و وصولهما إلى مصر بسلام، بالرغم من الرقابة المشددة من قبل جيش السلطات الرومانية، و أعين الجواسيس المبثوثة في كل مكان. لم تكن تدابير هذه الرحلة و الذهاب فيها كما نلاحظ بالأمر الهين أبدا، لولا عناية الله بهما. 


ظل سيدنا عيسى و أمه مقيمين في مصر قرابة أربع سنوات في منطقة تدعى عين الشمس، إلى غاية أن أذن الله لهما بواسطة جبريل عليه السلام، بالعودة إلى فلسطين في بلدة تدعى الناصرة Nazareth، التي ينتسب إليها النصارى. و كان ذلك بعد موت الملك هيرودس الإبن. لقد أقبل سيدنا عيسى بشراهة، و هو في سن الثانية عشر على دراسة التوراة المقدسة، و التدبر في تعاليمها و إستنباط أحكامها، تحت إشراف النبي زكريا عليه السلام، و علماء اليهود و البعض من أحبارها. يقول في هذا الموضوع: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنازير فإن الخنازير لا تصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها.


أمر الله نبيه يوسع المسيح Jesus le crist بالدعوة في قومه، فشرع يدعو اليهود في مدينة الجليل إلى دين الله الذي جاء من قبل على يد النبي موسى، و ينبئهم بأنه سوف يعود من جديد على يد سيدنا محمد العربي من بني هاشم. لم يعبء اليهود بما يدعو إليه تكبرا، ولا إكترثوا بمواعظه، بل وصلت بهم الوقاحة إلى أن طالبوه بمعجزة حسية تأيد دعواه و تدعم مزاعمه، و تطمئن قلوبهم الواهية.


قال تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ 2 .



 فلما شعر عيسى من قومه الكفر، ارتحل و القلة من أتباعه إلى بيت المقدس، لعله يجد فيها من يعيره أذانا صاغية، و قلوبا واعية، و حدث ذلك في يوم عيد اليهود. و حين وصل تجمهر الناس حوله في هذه المدينة المقدسة و إستوعبوا ما كان يسديه لهم من عظات بليغة ، و إطمأنوا إليه و تفهموا نصحه، و إرشاده إلى الأخلاق الحميدة، و إلى محبة الناس و المساواة بينهم و عدم التعالي عليهم، و إفشاء روح التسامح و المسالمة، وعليهم بتطهير قلوبهم من الضغينة و الحقد و كراهية الناس لأن ذلك من أسباب التشرذم و الفرقة بينهم، و جعل محبة الله فوق كل إعتبار. 


كان يصر على أتباعه التمسك بهذه الأخلاق لأنها أساس الإستقامة. حذرهم من محبة المال و السعي لكسبه بلا وجه حق، لأن ذلك يؤدي إلى ظلم الآخرين. يقول عيسى عليه السلام: ما أعسر دخول ذوي المال إلى ملكوت الله. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من دخول غني إلى ملكوت الله. إنجيل مرقس. أيها السامعون أحبوا أعداءكم و أحسنوا إلى مبغضيكم، أدعوا إلى لمن يسيء إليكم. من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر، و كل من سألك فأعطه، و من أخذ ما في يدك فلا تطالبه، و ما تريدون أن يصنعه الناس لكم فإصنعوه لهم أنتم. 


و يقول أيضا: طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته و حفظ لسانه و وسع بيته. حز في نفوس الأحبار دعوة النبي عيسى عليه السلام، و تأثيره القوي على سوادهم الذين كان عددهم يتصاعد يوما بعد يوم. لقد إغتاظ اليهود منه شديد الغيظ، و أضمروا له العداوة و الرغبة في الإنتقام منه في أسرع وقت، على ما يدعيه بين الناس. إنتابهم القلق من هذا الأمر، و التذمر والغضب منه، و زيادة على ذلك فإن مسألة الجزية التي تكلمنا عليها سابقا، و التي فرضها أنتيباس في عهده، كانت سببا في مساءلة المسيح عليه السلام أمام حشود الناس، و هذا لتعجيزه و إضعاف تأثيره على الناس فيصدون عنه و يرفضون دعواه. 



فقالوا له لمن تؤدى هذه الجزية لقيصر الروم، أم لله. فكان جوابه البريء، أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. بهذه الطريقة صار الناس يدفعون ضريبتين إحداهما للهيكل والأخرى للدولة، بالإضافة إلى ما يأخذه الجباة من الفقراء غصبا و باطلا. إستغل أعيان اليهود و أحبارهم هذه الظروف، ليسيئوا إلى المسيح، و يتآمروا على قتله، حتى لو كان ذلك على حساب الحق المبين.


 لم يجد الأحبار بدا إذن من الوشاية به، لدى بيلاطس النبطي Ponce Pilate الملك الروماني لفلسطين الذي جاء بعد هيرودس أنتيباس. طلب الملك من هؤلاء الأحبار محاكمته ومعاقبته ثم قتله، وقاد أحد الحواريين هؤلاء الأحبار إلى مكان النبي عيسى، و الضغينة تفيض من قلوبهم و الحقد يرتسم على وجوههم. ولكن الله عظمت قدرته خلص عيسى المسيح منهم، و نجاه من حبائل هذه المؤامرة اليهودية محكمة الحبك، فجعل يهوذا الأسخريوطي الخائن من تلاميذ عيسى عليه السلام، هو من وقع عليه الحكم الفوري بالموت صلبا جزاءا من الله على فعلة الخيانة التي إرتكبها في حق نبي مرسل، بحيث أن الله شبهه لهم بعيسى


قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. 3



في قصة رفع عيسى عليه السلام إلى السماء


روايات كثيرة التناقض وردت في الأناجيل. و أقرب إلى المنطق حسب معطيات التاريخ، أن السلطة الرومانية إستعملت فئة من بني إسرائيل للقبض عليه بأية طريقة، و بذلك تركت المبادرة لهم في كيفية الغدر به، و بدورهم أقنعوا أحد تلاميذه من الحواريين يهودا الاسخريوطي Judas Iscariote بأن يدلهم على مكان إختبائه مقابل مكافأة مالية معتبرة.


 تمت الصفقة بينهم بالقبول و بالرضا التام، و أخذ يهوذا الأسخريوطي هذه المهمة على عاتقه دون حياء و لا وجل. أرشد يهوذا الأحبار و من ورائهم جند الرومان ليلا إلى المكان المبتغى، و هو ملثما، كي لا يعرف و لا يثير البلبلة و الشغب في وسط السكان، و لما وصلت الفئة الباغية أمرته أن يقبله لتتأكد أنه هو الشخص المطلوب، و كان النبي عيسى وقتها يدرس تلاميذه و يلقنهم تعاليم الإنجيل في أحدى الديار ، فأحس بالغدر و بقرب أجله، فراح يلح على تلاميذه الحواريين أن يبذلوا قصارى جهودهم في مواصلة التمسك بتعاليمه المقدسة و تبليغها للناس. في تلك اللحظة، إقتحم جند الرومان و أحبار اليهود البيت، فلم يعثروا على النبي عيسى المسيح، و وجدوا أمامهم يهودا الخائن فألقوا عليه القبض ظنا منهم بأنه هو المطلوب، و صلبوه على الفور. 


أما ما ورد في إنجيل برنابا هو أقرب إلى ما قصه علينا الكتاب الكريم، فيقول عندما إقتحم جند الرومان المنزل، غير الله هيئة يهودا كلية إلى هيئة عيسى عليه السلام لكي يتصور الناس أنه فعلا المسيح الذي سيصلب أمام أعينهم، حتى أن أهله لم يعرفوه و إعتقدوا أنه المسيح. ، فصلب يهودا من قبل الجند، و حينها ظهر المسيح فجأة ثم إختفى، فتيقن الناس جميعا أن يهودا هو الذي صلب، و ليس يوسع المسيح. إنتهت فترة إقامة يوسع المسيح من هذه الحياة المادية، بعد أن رفعه الله إلى ملكوت السماء. 



من هنا نلاحظ أن صلب المسيح الذي وردت في جل الأناجيل، ما هو حسب المسيحيين إلا رمز الفداء و خلاص البشرية من الخطيئة. فإذن أيمكن لنا تقبل هذا التناقض بين فكرة أن عيسى عليه السلام نبي مرسل يوصف بالربوبية كونه إبن الله، وبين فكرة أنه صلب من قبل رعاع اليهود الخونة على جذع نخلة ليتعرض للألام و الهلاك . أما يمكن للرب أن ينقض إبنه من شر البشرية و لا يتركه يتأوه من شدة القيد. مع العلم أنهم يجمعون على عودته إلى الأرض.


 لقد إستحال عليهم تقبل فكرة الرفع التي أنقض به الله نبيه من خبث بني إسرائيل. إن تفسير الخاطئ لظاهرة الصلب لدى الكنائس، هو الذي عمق الشرخ بين الدين الصحيح النصرانية الذي تناقلته بعد عيسى جماعة الحواريين. و الدين المحرف الذي روجت له الكنائس المسيحية. 




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
1 ـ سورة المائدة، الآية 78 ـ 79 2 ـ سورة الصف، الآية 6 3 ـ سورة النساء، الآية 157 ـ 158
عيسى بن مريم - قصة عيسى عليه السلام
أستاَََد أفغول عبد القادلر

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

    تابعنا عبر الايمايل

    google-playkhamsatmostaqltradent