recent
أخبار ساخنة

تطور ديانة بني إسرائيل من عقيدة التوحيد إلى العقيدة اليهودية.

أستاَََد أفغول عبد القادلر
الصفحة الرئيسية







كيف تطورت  ديانة بني إسرائيل من عقيدة التوحيد إلى العقيدة اليهودية


 الديانة اليهودية  في فترة الآباء العبرانيين.



 تمثلت الديانة العبرانية القديمة، في عبادة الإله إيل El أي الله. و هي ديانة توحيدية، تمحورت حول عبادة رب واحد، هو الله. اتصفت طبيعة هذه الديانة على العموم، وفي بداية الأمر، بالبساطة و السهولة، بعيدة عن التعقيد و الغموض. شقت هذه الديانة طريقها بعسر كبير، وسط نظام قبلي تعددت فيه الآلهة Polytheisme، و استقرت فيه العقيدة الوثنية.


Idolâtre. لم تظهر في المجتمع القبلي العبراني، بشائر الديانة التوحيدية إلا على يد بعض الشخصيات أو الآباء العبرانيين الأوائل. من أهمهم سيدنا إبراهيم و أبنائه فيما بعد. يعتبر عصر سيدنا إبراهيم عليه السلام، بداية التاريخ الديني ألتوحيدي Monothéisme، و الفترات التي سبقت سيدنا إبراهيم، كانت فترات الديانة الوثنية التعددية تماشيا مع تعدد القبائل و العشائر في منطقة الشرق الأدنى القديم يوم ذاك. 


أن ديانة الآباء العبرانيين الأوائل كانت بسيطة تتداول مشافهة من جيل إلى آخر، و هي خالية من الشرائع و الأحكام المنظمة لحياة المجتمع العبراني. إنما كان اهتمامها مركزا على فكرة التوحيد، و على آليات و طرق تبليغها. 



و بالتالي فإن حياة العبرانيين اعتمدت بجانب هذه العقيدة الجديدة ، على بعض العادات و الأعراف القبلية، و بعض التشريعات البدوية الشفوية الخاصة بكل قبيلة و عشيرة. و حسب الدراسات الخاصة بالديانات، كانت ديانة العبرانيين، قليلة الشعائر و الطقوس، و لم يظهر لها على الواقع القبلي أي شيء لتأدية بعض الشعائر الدينية الخاصة، كالبيوت أو هياكل العبادة أو المعابد ما عدا الكعبة


 تعتبر شخصية سيدنا إبراهيم الشخصية الدينية الأساسية في مرحلة الآباء العبرانيين. فهو المتلقي للوحي الإلهي، و المستجيب لأوامر الإله ايل، و الموفي بالوعد الإلهي المحدد لمستقبل بني إسرائيل. إنه أول من نبذ عبادة الأصنام و حاربها بشدة، و فتح بذلك أول صفحة في تاريخ بني إسرائيل الديني.


 الديانة اليهودية في عصر موسى.


تمثل ديانة موسى عليه السلام، المرحلة الثانية في تطور الديانة التوحيدية الإبراهيمية، و أنها من أهم المراحل في تاريخ هذه العقيدة، بحيث تم فيها الاعتماد على الوحي المكتوب، كمنبع أساسي للعقيدة و الشريعة اليهودية الجديدة. تسمى هذه المرحلة بالعصر الموسوي، أو بالديانة الموسوية.


 يعود ظهورها أثناء تواجد بني إسرائيل في صحراء سيناء المصرية، تميزت هذه الديانة ببعض الملامح و الصفات البدوية الصحراوية، قبل الدخول بها أرض الكنعانيين، و بداية التغيير الديني الاجتماعي و الاقتصادي في حياة بني إسرائيل، و الذي أدى فيما بعد إلى اندماج هذا القوم بدينه في الحضارة الكنعانية. رغم التطور الذي حصل في الفكر الديني الموسوي، ظلت الديانة الموسوية بسيطة في طبيعتها و طقوسها.


 في هذه المرحلة، و في هذه الديانة تم الإعلان عن اسم الإله يهوه Yahvé. لم يظهر هذا الاسم إلا في ديانة موسى عليه السلام. يذكر سفر التثنية و سفر القضاة، أن الإله يهوه تداول اسمه بداية في شبه جزيرة سيناء، و أن هذه الديانة، ديانة موسى أصبحت خاصة ببني إسرائيل لا غير،أي أن الخطاب الديني أصبح موجه إليها فقط، من قبل الإله يهوه.


 وأن الإله يهوه، الإله الرئيسي في هذه الديانة الجديدة، من أهم سماته، غير قابل للتجسيد المادي الشكلي، و لا للتمثل. تقول الوصية الثانية من الوصايا العشر: لا تصنع لك تمثالا منحوتا، و لا صورة ما مما في السماء من فوق، و ما في الأرض من تحت. و ما في الماء من تحت الأرض 1. أن إله بني إسرائيل يهوه منزه عن الطبيعة التي خلقها. باختصار فإن المعالم الكبرى للديانة التوحيدية الموسوية، محددة في الوصايا العشر التي اعتبرته في الأساس يعلو على كل المخلوقات الحية و الجامدة . 


الديانة اليهودية في عهد انقسام المملكة.



 لقد سعى سيدنا موسى بكل ما أتي من قوة و ذكاء و شخصية و ما أطلعه عليه وحي من الله، و من علم ، أن يمد بني إسرائيل بعقيدة توحيدية كاملة البناء الديني و الأخلاقي، و ذلك اعتمادا على الوصايا العشر بشكل كلي، والتي تلقاها من إله يهوه. إلا أنه قوم موسى عليه السلام، تطلعوا إلى بعض المفاهيم الدينية المغايرة، والعقائد الوثنية المخالفة تماما لعقيدة موسى، التي كانت منتشرة آنذاك لدى شعوب الشرق الأدنى القديم


كانت لهذه الديانات الوثنية تأثيرات دينية، و حضارية كبيرة على عقول و نفوس بني إسرائيل. و أول الشعوب التي احتكوا بها و تأثروا بها بعد مغادرتهم مصر نهائيا، هي الشعوب الكنعانية الوثنية التي استوطنوا أرضها فيما بعد. بعد هذا الاحتكاك عرف الدين الموسوي تغلغل الكثير من عناصر العقيدة الوثنية، و تسبب ذلك في تدهور العقيدة الموسوية تدهورا ملفتا. 


أما الفترة التي تأثر فيها دين بني إسرائيل تأثيرا حقيقيا، فهي فترة احتكاكهم بحضارة بلاد الرافدين، و ذلك أثناء انقسام مملكتهم و تعرضها إلى الغزو الأشوري و البابلي، و حتى الفارسي كما رأينا ذلك سابقا. بعد انتهاء عهد الخروج من مصر، و استيطان بلاد كنعان، انتقل بنو إسرائيل من نظام قبلي متخلف إلى اتحادات قبلية في عصر القضاة، إلى نظام سياسي أفضى في النهاية، إلى قيام دولة مستقرة واضحة المعالم، و هذا نتيجة تأثرهم بالأنظمة السياسية للدول الحضارية في الشرق الأدنى القديم. دام هذا التحول في حياة بني إسرائيل قرابة ثلاثة قرون، من دخولهم أرض كنعان القرن الثالث عشر إلى قيام مملكة سيدنا داود و سليمان في القرن العاشر.



 يفسر هذا التغيير السياسي الكبير في حياتهم على أنه تحقيق للعهد الإلهي بالأرض الموعودة حسب أسفارهم، والذي أعطاه الله لإبراهيم عليه السلام. استغل سيدنا داود و سليمان هذا البعد الإيماني في منح الشرعية الدينية لمملكتيهما، و صار الملك يحكم بني إسرائيل نيابة عن الإله يهوه، و أصبح الدين اليهودي دين الدولة بشكل رسمي، و كل ما يمكن أو يتوقع أن يحدث للمملكة من انقسام، هو نقض إلهي للعهد المقطوع مع النبي  داود و ذريته. لقد أدى الاختلاف الديني بين بني إسرائيل فيما بعد، إلى ظهور علامات الانشقاق و الانقسام داخل المملكة بعد وفاة سيدنا سليمان. 


لقد فقدت هذه المملكة وحدتها الدينية و السياسية، فأدى هذا الوضع إلى نتيجة حاسمة و منطقية وحتمية، هي ظهور مملكتين منافستين: مملكة إسرائيل في الشمال، و مملكة يهوذا في الجنوب، كما مر بنا سابقا. و بالتالي تراجع الدين، وفقدت أورشليم مركزها و دورها الديني الموحد لبني إسرائيل. في ظل هذا التدهور و الانقسام تغلغلت الكثير من العناصر الدينية الوثنية الكنعانية، و عبادة الآلهة المتعددة.


 ظهر ذلك جليا، على إثر زواج آحاب ملك دولة الشمال، من ازابيل الكنعانية الوثنية. لقد اعتمد الملك آحاب على الوثنيين كلية في الوظائف، و في تسيير شؤون الملكة. ومنح لهم حرية ممارسة معتقدهم بطقوسه المختلفة، وسمح لدينهم بالانتشار عبر كل مناطق الملكة، ما أدى في النهاية إلى استياء الأنبياء، و تذمرهم على ما يجري في مجتمعهم و أمام أعينهم، من تغليب الوثنية على دين التوحيد. فكان السبيل الوحيد الذي تبقى لهم لإغاثة بني إسرائيل من أنجاس الشرك، هو مقاومة الوثنية بشجاعة و صبر. من هؤلاء الأنبياء الذين فضلوا التضحية في سبيل نصرة عقيدة التوحيد هم: النبي إيليا اليشع وعاموس و هوشع فيما بعد. 




الديانة اليهودية في فترة السبي.


 اصطلح المؤرخون على تسميتها بفترة النبوة الكلاسيكية. بعد انقسام مملكة بني إسرائيل إلى قسمين كما بينا سابقا، و سقوط ملكة الشمال، في يد الآشوريين. سنة 721 قبل الميلاد. و مملكة الجنوب، في يد البابليين. سنة 586 قبل الميلاد. وأثناء هذا التدهور الشديد في الوضع السياسي، و الديني على الخصوص، برز إلى الوجود عامل هام، كان له دور أساسي في تطور الديانة اليهودية، تمثل في ظهور تيار النبوة بالمفهوم اليهودي.


 اصطلح على تسميته بعصر النبوة الكلاسيكية في فترة السبي، و هذا لتمييزها عن الديانات السابقة. لقد ثار الأنبياء على الأوضاع السياسية و الدينية المتدهورة التي وصل إليها بنو إسرائيل. فكانت ردة فعلهم عنيفة اتجاهها، ولم تتوقف وظيفتهم في المجال الديني، أي الوعظ و الإرشاد و التبليغ، بل تجرؤوا على اقتحام الساحة السياسية بكل جسارة، بعد تلاشي نظام الحكم الملكي لدولتيهم.


 و أول ما ظهر في هذه المرحلة، أنهم قاموا بتحليل ديني للمسيرة التاريخية لبني إسرائيل. ثانيا شرع هؤلاء الأنبياء في كتابة تاريخ هذه الفترة، استنادا إلى الكتابات دينية القديمة للتوراة أي العهد القديم، وتشتمل هذه الكتابات على تحليل ديني لاهوتي للوقائع التاريخية لبني إسرائيل و العالم. ثالثا اهتمت هذه الجماعة بالديانة الموسوية، و اعتبروها الديانة النموذجية التي يجب العودة إليها، و الامتثال لتعاليمها. 


و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أقحموا فيها الكثير من العقائد الجديدة: كمسألة البعث و الثواب و العقاب و الجنة و النار، والخلاص، كما ركزوا على البعد الأخلاقي للديانة اليهودية. نبعت في هذه الديانة، فكرة المسيح المخلص نتيجة سقوط ممالك بني إسرائيل تباعا، فتفاءل الأنبياء بإمكانية عودة تأسيسها مرة أخرى، بعد مجيء المسيح المخلص. انتشرت هذه الأفكار الدينية في كتب عدة أنبياء منهم: عاموس هوشع إشعياء أراميا حزقيال.


 إن هؤلاء الأنبياء ركزوا في هذه الكتابات، على أهمية شخصية النبي موسى، ذلك النموذج الدين الحي لبني إسرائيل في التمسك بالشريعة و الوصايا العشر. أما شخصية النبي داود فهو المثال السياسي الأعلى لهم في تأسيس المملكة. و خلاصة القول أن أنبياء هذه الفترة تمسكوا بالشريعة الموسوية و بالوصايا العشر أي بالتوراة المقدسة. 



بدأ الاهتمام بتدوين الشريعة التوراتية اليهودية في فترة السبي هذه، خوفا من ضياعها إلى الأبد. و كان ذلك على يد عزرا الكاتب Ezra le scribe الذي عاد من بابل إلى فلسطين لأجل ذلك في حدود 459 قبل الميلاد. استمر هذا الاهتمام بمسألة العقيدة التوراتية اليهودية، إلى غاية القرن الخامس قبل الميلاد، أول القرن الرابع قبل الميلاد.


أثناء فترة الحكم الفارسي لمنطقة فلسطين. عزرا الكاتب :Ezra le scribe Esdrsa يعرف بعزرا الكاتب أو الكاهن، إنه شخصية ذات قيمة تاريخية و دينية كبيرة عند اليهود، يصنف عندهم في قائمة الأنبياء الكرام، أو من عظماء الكهنة على الإطلاق. ولد في بابل، ينتمي إلى قبيلة اللاوي من أسباط بني إسرائيل. عكف كما ورد في أسفارهم مدة طويلة على كتابة التوراة المقدسة، أو شريعة موسى حسب زعمهم.


 إنه الرجل الذي ظل مع بني إسرائيل و لازمهم أثناء فترة السبي البابلي، ثم قادهم إلى اورشليم في فلسطين في أيام الحكم الفارسي لها، بعدما سمح لهم بالعودة إلى فلسطين، كما رأينا. و كان عددهم يقارب 5000شخص من قبيلة يهوذا . جمع عزرا بني إسرائيل كلهم ليقرأ عليهم ما كتب من شريعة موسى. يقول اليهود أن الرب هيأ قلبه لكتابتها و العمل بها و لتعلمها، ويعلم بني إسرائيل أحكامها و فرائضها. قد يتساءل المرء المتتبع للدراسات الدينية اليهودية، على أي سند اعتمد عزرا الكاهن في كتابته التوراة كاملة، و على أي مصدر استنبط كل هذا الكم الهائل من نصوص الكتاب المقدس. 



فمسألة تسجيل التوراة ستظل مبهمة لدى الأجيال المثقفة. كما أن جل المؤرخين اليهود لم يشيروا في كتابتهم إلى كيفية تدوين التوراة بالشكل العلمي المقبول، و المتعارف عليه عند الرواة، و المؤرخين و أصحاب السير. و نعلم أن التوراة المقدسة قد فقدت، و اختفت عن الوجود، قبل عزرا بحقبة تزيد عن ثمانية قرون


و لنا أن نتنبأ أن ما اعتمد عليه عزرا الكاهن، لا يعدو أن يكون إلا بعض المدونات أو بعض المخطوطات قد وصلت إليه دون مرجع ولا سند متواتر، فلم تكن من التوراة أصلا، أو هي في حقيقة الأمر توراة مفتراة مصطنعة في أكثر فصولها.


 يقول فرويد: أن التوراة أعيدت كتابتها عدة مرات، و إحدى المرات ضاعت و فقدت تماما، فاجتمع سبعون من كبار رجال الدين العبرانيين، و أعادوا كتابتها من الذاكرة. و هناك عوامل أخرى من وراء كتابتها و الإضافة إليها، منها إعطاء بعض القوانين و الطقوس الحديثة العهد، قداسة و احتراما و نسبتها إلى موسى، و محاولة إخفاء الحقيقة أن العبريين هم الذين قتلوا موسى. 2 . 



و يقول القلة من العلماء النزهاء، أن كتابة التوراة استمرت زمنا طويلا، تعرضت أثناءه إلى الحذف و التنقيح و التهذيب. كانت الكتابة تتم اعتمادا على النقل الشفهي المتأثر بثقافات الشعوب التي عاش اليهود معها، أثناء فترة السبي، في التشريع و الطقوس الدينية. 


و يضيف هؤلاء المتخصصون أن الألواح كتبت باللغة المصرية القديمة، بحكم أن النبي موسى نشأ فيها، ثم باللغة الآرامية. احتاج اليهود فيما بعد إلى ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العبرية ، لتأدية الصلوات و الطقوس الدينية الأخرى. قام سعديا الفيومي بهذا الدور، فترجمها إلى السريانية و إلى اليونانية ثم إلى العربية.


 أما في تاريخنا الإسلامي، يختلف المسلمون في هوية شخصية عزرا، فيقولون أن عزرا هو عزير، الرجل الصالح الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. و يعتبر واحد منهم. يوجد ضريحه على ضفاف نهر دجلة قرب البصرة في العراق. و هو الذي يعتبر عند اليهود ابن الله



و لنا الحق أن نتساءل عن ماهية الكتاب المقدس التوراة دون الرجوع إلى مصدر تدوينه. فإن هذا الكتاب، كتاب التوراة اليهودي يعد أقدم كتابا مقدسا، في حياة الشعب اليهودي الدينية، حيث يمتد عمره إلى ما يقارب ثلاث آلاف سنة. و هو أول كتاب ضم عقيدة سماوية نبعت في الأساس و بشكل نسبي، من الوصايا العشر. تنقسم التوراة إلى أربعة كتب تسمى أسفار و هي:


  •  سفر التكوين Genèse. 

يتحدث عن الأنبياء الأوائل، آدم، نوح، سام، إبراهيم، إسماعيل، إسحاق، يعقوب و الأسباط، يوسف. و قصة الطوفان و تواجد بني إسرائيل في مصر.


  •  سفر الخروج Exode

يتحدث عن إقامة بني إسرائيل في مصر، قصة سيدنا موسى مع فرعون، التيه في سيناء، عبادة العجل، و الوصايا العشر. 


  •   سفر لاوي Lévitique 

يهتم بالتشريع الخاص بالقرابين، و الطقوس و الأعياد و العطل. 


  •   سفر العدد Nombres

إحصاء عن الشعب، و القبائل الإسرائيلية، الخروج من سيناء إلى بلاد كنعان. 


  •   سفر التثنية Deutéronome


هو تكرار شرائع موسى عليه السلام، و الوصايا العشر التي وردت في الأسفار الأخرى. و نظرا إلى أهمية التوراة هذه، فقد اختلف المؤرخون حول طبيعتها اختلافا بينا: 

  • بعض المؤرخين يعتبرون كتاب التوراة المقدس، هو من بين الكتب المنزلة من الله على أنبيائه بواسطة الوحي المبارك. 


  •  هناك مؤرخون على النقيض من ذلك، فيقولون أن التوراة هي في الحقيقة الأمر، ليست سوى كتاب من تأليف البشر، نسبت إلى الله ليحظى بالقداسة و الاحترام اللازمين. هذه الجماعة لا تعترف بالدين أصلا، فهي تمثل النزعة الإلحادية. أمثال العالم النفسي سيقموند فرويد. كما بينا آنفا.

 أن كتاب التوراة رغم الانتقادات، سيظل مصدرا تاريخيا هاما لحقبة طويلة، مر بها بنو إسرائيل في منطقة الشرق الأدنى القديم. بالرغم من احتوائه على الكثير من الحقائق التاريخية المشوهة، فالتوراة كتاب يسرد التاريخ، و يتضمن العديد من المعطيات الاجتماعية، من خلال نصوص القصص و الأساطير الواردة فيه، والتي استنبط الكثير منها من تراث منطقة الشرق الأدنى القديم. ثم كيفت و هيئت وفق نظرة العقيدة التوحيدية لليهود. 

 تمكن المؤرخون من إثبات أن الكثير من محتويات نصوصها، في الشرائع و القصص، تعود إلى الإرث الحضاري للمنطقة. و بشكل خاص حضارة بلاد الرافدين، و الكنعانيين و الفراعنة. و ما يؤاخذ به مدونو التوراة أنهم لم ينسبوا المقتبسات إلى مصادرها الأولى. بل تركوا هذا الكتاب المقدس مثقلا بمعتقدات هو بعيد كل البعد عنها. و لم تظهر حقيقتها التاريخية إلا مع بداية التنقيبات الأثرية الحديثة، التي أوضحت بطريقة حاسمة، مصدر تلك القصص و الأساطير و الكثير من الشرائع التي كانت لأمم أخرى.



 الديانة اليهودية في العصر اليوناني.


لقد اكتملت ديانة اليهود في العصرين، عصر السبي البابلي، و العصر الفارسي على الخصوص، من حيث العقيدة و الشريعة. و كان ذلك بتأثير العوامل الثلاثة: الموروث الديني الموسوي، و الأنبياء من بعده، و البيئة البابلية و الفارسية. و أيضا تم تدوين، و تثبيت بشكل نهائي الكتاب المقدس التوراة عند عودة بني إسرائيل إلى فلسطين، أيام الحكم الفارسي لهم 538 ـ 332 قبل الميلاد. كما تم بناء الهيكل و عودة الحياة الدينية العادية من جديد، و الاهتمام بالقدس كمركز ديني لليهود. 


إلا أن أخطر فترة مرت بها الديانة اليهودية، تمثلت في الغزو الفكري اليوناني، و باتت عاجزة كل العجز أمامه. أن اليونان أدخلوا إلى الأرض المقدسة منهاجا فكريا فلسفيا، و ليس عقيدة دينية يمكن مقاومتها تماما مثل العقائد الوثنية الآشورية و البابلية و الفارسية. أن اليونان جاءوا بفكر فلسفي يجعل العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، لا غير، و بالتالي فإن الوحي الديني لا يمكن أبدا في نظرهم، أن يكون هو مصدر معرفة الإنسان. و من هذا الاعتقاد الجديد لليونان ندرك أن اليهود أصبحوا أمام ظاهرة اعتقاديه جديدة، هي نكران الذات الإلهية و الوحي الإلهي على الإطلاق، أي بروز ما يسمى بظاهرة الإلحاد. 


أدى هذا الغزو الفكري اليوناني إلى انقسام اليهود إلى من رفض الأخذ بالعقل وحده و تعصب لدينه اليهودي،ما يقابل عندنا أهل السنة. و هناك من أخذ به و اعتبره مخلص الديانة اليهودية من الجمود. ما يقابل عندنا المعتزلة. و القسم الثالث اتخذ موقفا توافقيا وسطا.ما يقابل عندنا النزعة الوسطية أي المنهج الأشعري. و لهذا نجد في بعض الأسفار المقدسة للعهد القديم، شيئا من النزعة العقلانية اليونانية. لنا الآن أن نقول و نلخص أن العقيدة اليهودية فيها الكثير من المعتقدات الوثنية خاصة في سرد القصص و الأساطير، و كذلك من الفكر اليوناني الإلحادي خاصة في النظرة إلى مسألة الغيبيات و معالجة قضايا القضاء و القدر و غيرها.


الديانة اليهودية في فترة تلمود Talmud 


عرفت الديانة اليهودية المستمدة من المرجعة التوراتية، و أسفار الأنبياء العديدة، مصدرا آخر للشريعة اليهودي، و هو كتاب تلمود الذي يعد في نظرهم، الكتاب المقدس الثاني من حيث الترتيب الزمني، و الأول من حيث الأفضلية و الأهمية الدينية، و بالتالي فإنه يتعدى قدسية التوراة كما مر بنا. 


وهو على ثلاثة أصناف: تلمود بابل، و تلمود اورشليم، و تلمود فلسطين. تم تدوينه ما بين القرن الثالث قبل الميلاد، و القرن الخامس الميلادي. يقول جوزيف باركلي: أن بعض أقوال التلمود مغال فيها، و بعضها كريهة، و البعض الآخر كفر، لكنها تشكل في صورتها المخلوطة أثرا غير عادي للجهد الإنساني، و للعقل الإنساني، و للحماقة الإنسانية. 3 .


 يتكون تلمود من المشناه Michna والجماراه Guémara الشارحة له : و هي مجموعة من الروايات التي تناقلتها الحاخامات و الأحبار عبر الأجيال مشافهة، منذ الديانة الموسوية. ارتقى تلمود عند اليهود ليصل إلى مرتبة القداسة. و من أبرز تعاليم تلمود: 


ـ من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت، دون من احتقر أقوال التوراة، و لا خلاص لمن ترك تعاليم تلمود و انشغل بالتوراة فقط، لأن أقوال علماء تلمود أفضل مما جاء في توراة موسى. 


 ـ إن تعاليم تلمود لا يمكن نقضها أو تغييرها، و لو بأمر من الله. و قد وقع خلاف بين الرب و علماء اليهود في مسألة، فبعد أن طال الجدال تقرر إحالة فصل الخلاف إلى أحد الحاخامات الربانيين. و اضطر الرب أن يعترف بخطئه. 4 . 


إن تلمود هو في الحقيقة القاعدة الأساسية التي ارتكزت عليها الإيديولوجية الصهيونية، و بعدها الفكر الماسوني الذي جند رجال السياسة و الإعلام، و رجال المال، و البنوك وشركات المتعددة الجنسيات، لمحاربة القيم الإنسانية و تجزئة المجتمعات الإنسانية، قصد إضعافها. ظهرت بعض الحركات الناقدة لتلمود،أهمها حركة الاستنارة التي رفعت انتقادات حادة، و قالت لا أمل لنا في التطور و الرقي إلا بالإطاحة بتلمود و سلطته.






 تطور  ديانة بني إسرائيل من عقيدة التوحيد إلى العقيدة اليهودية.
أستاَََد أفغول عبد القادلر

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

    تابعنا عبر الايمايل

    google-playkhamsatmostaqltradent